الأحد الاول من شهر طوبة مت 2 : 13 - 23
11 يناير 2026
و بعدما انصرفوا اذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا قم و خذ الصبي و امه و اهرب الى مصر و كن هناك حتى اقول لك لان هيرودس مزمع ان يطلب الصبي ليهلكه فقام و اخذ الصبي و امه ليلا و انصرف الى مصر و كان هناك الى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني حينئذ لما راى هيرودس ان المجوس سخروا به غضب جدا فارسل و قتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم و في كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل صوت سمع في الرامة نوح و بكاء و عويل كثير راحيل تبكي على اولادها و لا تريد ان تتعزى لانهم ليسوا بموجودين فلما مات هيرودس اذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلا قم و خذ الصبي و امه و اذهب الى ارض اسرائيل لانه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي فقام و اخذ الصبي و امه و جاء الى ارض اسرائيل و لكن لما سمع ان ارخيلاوس يملك على اليهودية عوضا عن هيرودس ابيه خاف ان يذهب الى هناك و اذ اوحي اليه في حلم انصرف الى نواحي الجليل و اتى و سكن في مدينة يقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالانبياء انه سيدعى ناصريا
الهروب الى مصر
إذا ملاك ظهر ليوسف في حلم قائلا " قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر " مت ١٣:٢ ان رحلة الرب إلى أرض مصر مملوءة أسراراً ، وهناك أسئلة كثيرة تتبادر إلى الذهن ، فمثلا :
لماذا هرب إلى مصر بالذات ؟
ان مصر ليست أقرب البلاد إلى اليهودية ، بل هناك : سوريا والأردن والعراق وصحراء العرب ولبنان . ومصر أيضاً ليست أسهل الطرق ، ولكن على العكس فهى بالنسبة لإسرائيل طريق مملوه بالمخاطر وكثير المتاهات وفوق ذلك فالرحلة إلى مصر مرهقة كل الأرهاق للعائلة المقدسة ، فيوسف رجل شيخ والعذراء القديسة حاملة طفلها الإلهى . فما أصعب الرحلة وما أقسى ظروفها . و لكن أمام كل هذا كانت رؤيا الملاك ليوسف وتدبير النزول إلى مصر كان أمراً إلهيا سبق فأعده الرب منذ الأزل ، وسبق وأخبر به الأنبياء فهوشع النبي يقول : ( من مصر دعوت ابني " وأشعياء النبي يصرخ قائلا "هوذا الذي قادم إلى مصر راكباً سحابة سريعة ،"أش ١٩ .إذن لقد قصد الرب أن يجئ إلى مصر ، ليس بالصدفة ولا تحت إضطرار الظروف ، ولكن له في مصر مذبح لابد أن يبني ، وله في مصر عمود شهادة لابد أن يقام ، وله في مصر كنيسة شاهدة وعابدة ومتكلمة بلسان كنعان الروحي ، وله في مصر بركة بها يبارك رب الجنود ، قائلا : "مبارك شعبي مصر ".
في داخل مصر
ان ربنا جاز فى أرض مصر شمالها وجنوبها ، وتنقل في بلاد كثيرة فلو كانت رحلته مجرد هروب ، لسكن في أول مدينة صادفته ، وما أنتقل إلى مكان آخر ولكن الرب قصد أن يضع قدميه في أماكن كثيرة صارت فيما بعد منابع للروح أرتوى منها العالم كله مثل جبل قسقام ، ووادى النطرون ان سر وجود الكنيسة القبطية وبقائها إلى هذا اليوم رغم ما صادفته من إضطهادات ، كائن في هذه الزيارة العجيبة ونحن نؤمن أن الرب اختار مصر ليضع عليها مسئولية خلاص العالم كله . فكما صارت مصر بسبب يوسف منقذة للعالم القديم من الجوع في أيام الآباء هكذا ستصير مصر بسبب المسيح فيها منقذة للعالم الحاضر من مجاعة الروح وموت الإيمان فيا من أستبقيت يوسف لابقاء حياة الاسباط في القديم وأشبعتهم من حنطة مصر هنا حنطة مصر صارت جسدك على المذبح وخزينها صار تراثاً في كنيسة مصر فأنعم يا رب بالشبع من جسدك ، ومن حبة الحنطة على كل العالم ليشبع العالم روحيا بمصر ،وبإيمان كنيستها آمين .
ترك لنا مثالا
فهو فى هروبه من وجه هيرودس كرس لنا طريق بداية الانتصار من يهرب من وجه الشر ينتصر عليه هكذا ظهر هيرودس الملك ضعيفاً ومغلوباً أمام الطفل يسوع . فهيرودس يضطرب ويخاف ويفقد صوابه ويقتل الأطفال ، كل هذا لانه مغلوب وخائب الهروب من وجه الشر هو طريق المتضعين الذي صار فيه ربنا وفتح لنا باب غلبة الخطية بسهولة جداً أهربوا من الزنى ان أسهل طريق للنصرة على شيطان الشهوات هو الهروب الهروب من أماكن الشر ومن أفكار الشر ومن أصدقاء الشر ومن خطط الشيطان ، مثل يوسف العفيف الذي يهرب من محبة المال يغلب العالم . القديس أوغسطينوس شهد قائلا "وضعت قدمى على قمة هذا العالم عندما أصبحت لا أشتهي منه شيئاً" ان الهروب من الشر ليس خوفاً لأن المسيح لم يهرب من وجه هيرودس خوفاً من الموت ، لأن هدف التجسد هو الصليب والرب يسوع قال " لاجل هذا أتيت " و لكن المسيح بهروبه وضع لنا مبدأ عدم مقاومة الشر فروح هيرودس روح سفك الدم ، وقتل الناس وهذا لا يغلب إلا بروح المسيح ، روح الحياة ، وروح السلام ، وروح الإتضاع الشهداء القديسون واجهوا روح هيرودس في المضطهدين والمفديين بروح المسيح الوديع الهادي ، وغلبوه بدم الخروف ، وبكلمة شهادتهم لم يغلبوا الشتيمة بالشتيمة ، ولا غلبوا السيف بالسيف ، ولكن غلبوا بالإتضاع وبروح المسيح الذي إذ شتم لم يكن يشتم عوضاً هكذا كان داود النبي في القديم يهرب من وجه الشر أينما وجد وهرب من وجه شاول الملك هرب من وجه وجد أبشالوم الشيطان يحاول دائماً أن يعطل طرق الله ويقف في وجه تكميل أعمال الخلاص هكذا تبدو محاولات الشيطان من الايام الأولى لتجسد رب المجد يسوع ولكن المسيح المبارك لم يترك فرصة للشيطان ليكمل أعماله الشريرة فالهروب من وجه الشر يفسد خطط الشيطان التي يدبرها ضد أولاد الله مثل هروب دارد من أمام أبشالوم فأفسد مشورة أخيتوفل فملأ الشيطان قلب أخيتوفل غيظاً وشنق نفسه.
دخل ليملك على مصر
لقد استعلن المسيح ملكاً من أول لحظة دخل فيها إلى العالم فالمجوس جاءوا يسألون أين هو المولود ملك اليهود ؟
و هيرودس يطلب أن يقتله عالماً أنه ملك ولكن ملكوت المسيح ليس من هذا العالم ، بل هو ملكوت سماوى أى أن يصير المسيح ملكا ، وأن يصير الإنسان مملوكاً للمسيح هكذا جاء المسيح إلى مصر ملكا وديعاً راكباً على أتان حسب عادته وحسب إتضاعه ودخل لكى يأخذ له مملكة ويقتنى له شعباً ومنذ ذلك الزمان وملكوت المسيح في مصر يقاوم بعنف وقوة ولكن في كل جيل يعود الشيطان خائباً منكسراً أمام مملكة المسيح في مصر ، الكنيسة التى أسسها الرب على صخر الدهور ووعدها قائلا " أبواب الجحيم لن تقوى عليها ".
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية