النمو في الخدمة
24 يونيو 2026
في الواقع أن النمو هو شرط أساسي من شروط الخدمة الناجحة فالخدمة الروحية هي خدمة دائمة النمو و نمو الخدمة له مظاهر متعددة فهو نمو في العدد سواء بالنسبة إلي الخدام أو المخدومين و كذلك في تفاصيل الخدمة و في نوعيتها كما أنه أيضاً نمو في الروح و لنبدأ بالنمو في العدد :
النمو في العدد و لعل أبرز مثال لذلك هو خدمة السيد المسيح و رسله القديسين بدأ السيد المسيح بإثني عشر تلميذاً ( مت 10 ) ثم بسبعين اَخرين ( لو 10 ) نسمع عدد مائة و عشرين يوم اختيار متياس ( أع 1 : 15 ) و نسمع أيضاً عن أكثر من خمسمائة أخ ظهر لهم السيد دفعة واحدة بعد قيامته ( 1 كو 15 : 6 ) كم نعرف أنه كانت تزحمه الجموع و الآف5 كانوا يسمعونه ( يو 6 : 10 ) و إزداد العدد فاعتمد ثلاثة اَلاف في يوم الخمسين ( أع 2 : 41 ) و بعد شفاء الرجل الأعرج علي باب الجميل اَمن كثيرون " و صار عدد الرجال نحو خمسة اَلاف " ( أع4 : 4 ) و استمر النمو حتي يقول الكتاب فيما بعد " و كان مؤمنون ينضمون إلي الرب أكثر جماهير من رجال و نساء " ( أع 5 : 14 ) بل في كل يوم كان ينضم إلي الكنيسة مؤمنون جدد و في ذلك يروي سفر أعمال الرسل فيقول " و كان الرب في كل يوم يضم إلي الكنيسة الذين يخلصون " (أع 2 : 47 ) و يتطور الأمر حتي قيل وقت اختيار الشمامسة السبعة " و كانت كلمة الرب تنمو و عدد التلاميذ يتكاثر جداً في أورشليم ، و جمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان " ( أع 6 : 7 ) ؟
ثم بعد ذلك نسمع عن إنضمام مدن و شعوب ليس فقط في أورشليم و إنما أيضاً في كل اليهودية و الجليل و السامرة حتي الذين تشتتوا من جراء الإضطهاد " جالوا مبشرين بالكلمة " ( أع 8 : 4 ) . و إذا بالسامرة قد اَمنت و أرسل إليها مجمع الرسل بطرس و يوحنا لكي يمنحاهم الروح القدس بعد أن اعتمدوا ( أع 8 : 14 – 17 ) و يسجل سفر أعمال الرسل عبارة جميلة جداً عن هذا النمو يقول فيها " و أما الكنائس في جميع اليهودية و الجليل و السامرة فكان لها سلام و كانت تبني و تسير في خوف الرب و بتعزية الروح القدس كانت تتكاثر " ( أع 9 : 31 ) و انتقل العمل الكرازي إلي " فينيقية و قبرص و أنطاكية " " و اَمن عدد كثير و رجعوا إلي الرب " " و اجتمع برنابا و شاول في الكنيسة في أنطاكية سنة كاملة و علما جمعاً غفيراً و دعي التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولاً " ( أع 11 : 19 – 26 ) و بنشاط القديس بولس الرسول و مساعديه إزداد نموالكنيسة و انظم إليها كثيرون من بلاد اليونان في مكدونية في تسالونيكي و فيلبي و بيريه و غير ذلك " فاَمن كثيرون منهم و من النساء اليونانيات الشريفات و من الرجال عدد ليس بقليل " ( أع 17 : 12 ) ثم انتقل الإيمان إلي أثينا ( أع 17 ) و انتقل الإيمان إلي رومه حيث ذهب إليها القديس بولس و بشرها و هناك " اقام بولس سنتين كاملتين في بيت استأجره لنفسه و كان يقبل جميع الذين يدخلون إليه كارزاً بملكوت الله و معلماً بامر الرب يسوع المسيح بكل مجاهرة بلا مانع " ( أع 28 : 30 ، 31 ) و ذهبت الكرازة إلي مصر و الشرق و هكذا إزداد النمو عددياً و جغرافيا و تحققت فيهم نبوءة المزمور " في كل الرض خرج منطقهم و إلي أقصي المسكونة كلماتهم " ( مز 19 : 4 ) و استطاعت كنيسة الرسل في حوالي 35 سنة بعد القيامة أن تنفذ وصية السيد المسيح الذي قال لتلاميذه " و تكونون لي شهوداً في أورشليم و في كل اليهودية و السامرة و إلي اقصي الأرض " ( أع 1 : 8 ) و أيضاً قوله لهم " اذهبوا و تلمذوا جميع الأمم و عمدوهم " ( مت 28 : 19 ) " اذهبوا إلي العالم أجمع و أكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها " ( مر 16 : 15 ) .
و قد نجحوا في ذلك علي الرغم من كل المقاومات سواء مقاومات اليهود و مؤامراتهم و القائهم في السجون أو مقاومات مجامع الفلاسفة ( أع 6 : 9 ) أو محاكمات الدولة الرومانية و علي الرغم من الإضطهادات المريرة و عصور الإستشهاد القاسية و علي الرغم أيضاً من قلة الإمكانيات التي كانت لهم نقول هذا لنعاتب ليس فقط الذين توقف نموهم بل نقص عددهم في بعض المناطق بنمو عمل الطوائف الأخري و أنشطتهم و إغراءاتهم كل من تقابله كلمه لتجذبه إلي الله أرثوذكسياً كان أو غير ارثوذكسي اذهب و الق بذارك علي كل أرض كما في مثل الزراع الذي ألقي البذار ليس فقط علي الأرض الجيدة و إنما حتي علي الأرض المحجرة و الأرض المليئة بالشوك و الأرض التي ليس لها عمق ( مت 13 :3 –9) و في عملك كخادم اذكر الرمز في كلمة الرب التي قالها منذ بدء الخليقة و في ايام نوح "اثمروا و اكثروا و املأوا الأرض و اخضعوها " ( تك 1 : 28 )(تك 9 : 1 ) و لا تؤخذ هذه الآية من الناحية الجسدانية أو المادية فقط و إنما بمعناها الروحي أيضاً و عبارة " اخضعوها " في (تك 1 : 28 ) تعني من الناحية الروحية " اخضعوها لكلمة الله أو لوصيته و هكذا نصلي كل يوم قائلين في المزمور " فلتعترف لك الشعوب يا الله فلتعترف لك الشعوب كلها ليعرف في الأرض طريقك و في جميع الأمم خلاصك " ( مز 67 : 2 ، 3 ) و العجيب أن داود النبي صلي هذا المزمور في وقت كان اليهود فيه ينادون بأنهم شعب الله المختار و لكنه صلي من أجل الشعوب و من أجل خلاص الأمم كلها ألعلها كانت نبوءة عن خلاص الأمم ؟ أو هي معرفة نبوية بمحبة الله لكل الشعوب و إنتشار الإيمان بين الكل .
أمثلة للنمو :
أعطانا الرب فكرة عن ذلك في مثل " حبة الخردل " فقال " يشبه ملكوت السموات حبة خردل أخذها إنسان و زرعها في حقله و لكن متي نمت فهي أكبر البقول و تصير شجرة حتي أن طيور السماء تأتي و تتاَوي في أغصانها " ( مت 13 : 31 ، 32 ) إن مثل البذرة النامية يبكتنا كثيراً في خدمتنا كيف أن بذرة صغيرة تصير شجرة عظيمة بنموها و أنت ايها الخادم هل نموت وزدت نمواً حتي تاَوت الطيور في أغصانك ؟ أم لا تزال بذرة في الأرض ؟
مثال اَخر قال الرب في ( مر 4 : 26 – 28 ) " هكذا ملكوت الله كأن إنساناً يلقي البذار علي الأرض و ينام و يقوم ليلاً و نهاراً و البذار يطلع و ينمو و هو لا يعلم كيف ؟ لأن الأرض من ذاتها تأتي بثمر " أولاً نباتاً ثم سنبلاً ثم قمحاً ملآن في السنبل " ( مر 4 ) فهل خدمتك التي بدأت كحبة قمح اصبحت سنابل ملآنة و أنت لا تعلم كيف لأن روح الله قد عمل فيها بعد أن ألقيت بذارك و أصبح النبات ينمو من ذاته و يأتي بثمر .
مثال ثالث هو الزرع الجيد الذي أتي بثمر ثلاثين و ستين و مائة ( مت 13 : 23 ) أما مرقس الرسول فيقول عن هذا النوع من الزرع " و سقط اَخر في الأرض الجيدة فأعطي ثمراً يصعد و ينمو فأتي واحد بثلاثين و اَخر بستين و اَخر بمائة " ( مر 4 : 8 ) جميلة هنا عبارة " أعطي ثمراً يصعد و ينمو ".
مثال رابع هو زنابق الحقل ( مت 6 : 28 ، 29 ) لست أتكلم هنا عن جمال زنابق الحقل التي و لا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها و لست أقصد التركيز علي الإيمان في كيف أن الله قد ألبسها هذا الجمال إنما ألفت النظر هنا إلي قول الرب عن هذه الزنابق "تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو " ( مت 6 : 28 ) .
ألا نأخذ درساً من هذه الزنبقة البسيطة كيف تنمو فنتمتع نحن بجمالها و رائحتها بل ليست الزنبقة فقط إنما كل شجرة تنمو سواء الجزء الظاهر لنا منها فوق سطح الأرض بل أيضاً جذورها المخفاة تنمو و هنا نقول لك ملاحظة أخري إلهية و كتابية و هي :
كلما تنمو و تأتي بثمر ينقيك الرب لتأتي بثمر أكثر و هكذا يقو الرب عن الكرمة و الأغصان " أنا الكرمة و أبي الكرام كل غصن في لا يأتي بثمر ينزعه و كل ما يأتي بثمر ينقيه ليأتي بثمر أكثر " ( يو 15 : 1 ، 2 ) مثال اَخر في النمو هو النخلة و الأرز حيث يقول الكتاب " الصديق كالنخلة يزهو كالأرز في لبنان يعلو " ( مز 92 : 12 ) هل رأيت النخل و الأرز كيف ينمو و يزهو و يعلو ؟ إن كنت صديقاً فافعل هكذا سواء في روحياتك أو في خدمتك هنا ننتقل إلي نوع اَخر من النمو هو النمو الروحي .
النمو الروحي:
يقول الأب الكاهن في أوشية الإجتماعات في القداس الإلهي " و أما شعبك فليكن بالبركة ألوف ألوف و ربوات ربوات يصنعون مشيئتك "ليس المهم هو الألوف و الربوات و إنما عبارة " يصنعون مشيئتك " و لسنا نقصد بنمو الخدمة مجرد النمو العددي إنما بالحري النمو الروحي و هكذا في بدء كنيسة الرسل نري هذا المبدأ واضحاً في قول الكتاب " و كان الرب في كل يوم يضم إلي الكنيسة الذين يخلصون "(أع 2 : 47 ) إذن ليس مجرد إنضمام أشخاص جدد هو الذي يمثل عضوية الكنيسة إنما الذين يخلصون لهذا جاهدوا من أجل النمو في الخدمة و اذكروا قول الرسول " إذن يا إخوتي الأحباء كونوا راسخين غير متزعزعين مكثرين في عمل الرب كل حين عالمين أن تعبكم ليس باطلاً في الرب " ( 1 كو 15 ك 58 ) .
النمو في الخدمة هو إذن وصية إنجيلية .
القديس بولس الرسول يقول " مكثرين في عمل الرب كل حين " و السيد الرب نفسه يقول " اثمروا و اكثروا و املأوا الأرض " و أيضاً " أكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها "فما مدي مساهمتك في نمو هذه الخدمة ؟ لتكن خدمتك إذن نامية عددياً و جغرافياً و روحياً إن لم تزد خدمتك في العدد فلا تجعلها تقل و اعطها عمقاً روحياً في العدد القليل حتي لو كان مجرد أفراد أسرتك قل حينئذ مع يشوع النبي " أما أنا و بيتي فنعبد الرب " ( يش 24 : 15 ) إذن لا يكفي نمو عدد الذين يدخلون إلي الكنيسة بل يجب أن ينمو عددد الذين يتوبون و يعترفون و يتناولون لا تفرح فقط بازدياد عدد الذين ينضمون تلاميذ إلي فصلك بل بالحري الذين ينضمون منهم إلي ملكوت الله ولا تفرح فقط بالذين يستمعون إلى دروسك بل بالحرى الذين يعملون بها وينفذون وصايا الله كما قال السيد المسيح فى خاتمة عظته على الجبل " من يسمع أقوالى ويعمل بها أشبه برجل عاقل بنى بيته على الصخر " ( مت 7 : 24 ) ولذلك نصلى نحن فى أوشية الإنحيل ونقول للرب " أجعلنا كلنا يا سيدنا أن نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة "
إن النمو فى المعرفة لا يكفى بل يجب أن يكون النمو في العمل بالأكثر لقد قال أيوب الصديق للرب " بسمع الأذن قد سمعت عنك و الآن رأتك عيناي " ( أي 42 : 5 ) إذن لا نقف عند عبارة " سمعت عنك " إنما يجب أن نتدرج منها إلي عبارة " رأتك عيناي " أو إلي قول المرتل في المزمور " ذوقوا و أنظروا ما أطيب الرب " ( مز 34 : 8 )هنا في النمو الروحي لمخدوميك ، ينتقلون من السمع إلي الرؤية إلي المذاقة .
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
عن كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي الجزء الثانى