«اتَّبِعُوا الْخَيْرَ» (اتس ١٥:٥)

12 يونيو 2026

عبارة «اتبعوا الخير» عبارة جميلة جدا، وهي تذكرنا بكلمة السيد المسيح مع لاوي العشار القديس متى الرسول قبل أن يدعوه، فعندما ذهب إليه يسوع عند مائدة الضرائب، قال له كلمة واحدة فقط وهي: «اتبعني» ( لو ٥: ۲۷) Follow Me".
وعندما نتأمل في عبارة: «اتَّبِعُوا الخير»، نجد أن معلمنا بولس الرسول يتكلم بصيغة الأمر، فيقول: «اتَّبِعُوا الخير»، لأن الخير هو الله لذلك استقر في وجدان العالم كله أن أي إنسان عندما يستيقظ في الصباح يقول لمن حوله: "صباح الخير".
فعبارة "صباح الخير"، عبارة جميلة، لأن الخير هو الله، وكأن هذا الصباح منحه الله لك لكي تتبعه وتعمل فيه الخير فهي عبارة تحيي بها بعضنا بعضا في أول النهار كي يدخلنا إحساس أن هذا النهار هو للخير.
الكتاب المقدس يحث على صنع الخير:
. يقول المزمور: اتَّكل على الرب وافعل الخير» (مز ۳۷: ۳).
. يقول سفر عاموس: «أطْلُبُوا الْخَيْرَ لَا الشَّرَّ .... أبْغَضُوا الشر، وَأَحِبُّوا الْخَيْرَ» (عا ٥: ١٤ و ١٥).
. يقول القديس بولس الرسول: «ملتصفين بالخير» (رو ۱۲: ۹).
. ويقول أيضا: « ولكن لا تنسوا فِعْلَ الْخَيْرِ والتوزيع» (عب ١٦:١٣).
ما هو الخير؟
الخير" هو "الله"، وكلمة "الخير" تساوي كلمة "الله". لذلك تصلي ونقول: "فلنشكر صانع الخيرات، ولكن من هو صانع الخيرات إلا الخير نفسه، فالله هو صانع الخيرات. ومن الآيات الجميلة في المزامير: «تفتح بدك فتشبع خيرا» (مز ١٠٤: ۲۸)، فالله بمجرد أن يمد
يده يشبع البشر خيرا، والسيد المسيح في إنجيل معلمنا متى البشير يقول: «فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنتُمْ اشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالخري أبوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ، يَهَبُ خيراتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَه (مت ۷ (۱۱). فعمل الخير أو صنع الخبر، هو من يد الله أولا
وأخيرا، لأنه هو الخير نفسه.
إذن، الخير هو أن نصنع أعمالا ترضي الله، ولكن كيف يعرف الإنسان أن أعماله خيرة ترضي الله؟ لأن أحيانًا يعمل الإنسان عملا يظن أنه خير، ولكنه يغضب الله دون أن يدري.
مثال على ذلك ما قاله السيد المسيح لتلاميذه:
+ سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةً فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةُ اللهِ» (يو ٢:١٦).
إن قانون عمل الخير هو: أن كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعَا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ الله» (رو : (۲۸). بمعنى أن كل الأشياء من عند الله، تعمل لأجل خير الإنسان.
لماذا يتوقف الخير؟
رغم أن إرادة الله كلها للخير، إلا أن الخطية تمنع خير الله عن الإنسان الخاطئ وهناك آيات واضحة جدا في الإنجيل توضح ذلك.
فمثلا في سفر ارميا يقول: «خطاياكم منعت الخير عنكم (إر ٥: ٢٥)، فأحيانا نجد أحد البيوت يوجد به بعض الأمور غير اللائقة، فنقول عن هذا الشخص فلان حظه قليل). الأمر ليس كذلك، فلا يوجد شخص حظه قليل أو شخص حظه كثيرا
إن كلمة "حظ" ليس لها تواجد في مسيحيتنا، ولكنها الخطية التي تمنع الخير عن الإنسان، أو عن بيت معين.
مثال: إيليا وأخاب:
في العهد القديم نقرأ قصة إيليا النبي وأخاب الملك: «وقال إِيلِيَّا النَّشْبِيُّ مِنْ مُسْتَوْطِنِي جلعاد الأجاب: "حَيُّ هُوَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي وَقَفْتُ أَمَامَهُ، إِنَّهُ لَا يَكُونُ ظَلٌّ وَلَا مَطَرٌ فِي هذه الشنين إلا عند قولي (۱ مل ۱۷ (۱). لقد انغمس شعب بني إسرائيل في الخطية وابتعدوا عن الله بعبادتهم الوثنية، فمنع عنهم الخير، بمنع المطر ثلاث سنوات وسنة أشهر، وعدم نزول المطر يؤدي إلى توقف أعمال الزراعة، وأعمال الرعي، فتموت
الحيوانات، وكل هذا يؤدي إلى حدوث مجاعة في البلاد.
وكان الجوع شديدًا جدا في الأرض، فلم يكن هناك زراعة ولا حصاد، وعندما تقابل أخاب الملك مع إيليا النبي قال له أجاب: "أنت هُوَ مُكثر إسرائيل ؟ فَقَالَ: "لَمْ أَكَدِّرُ إِسْرَائِيلَ، بَلْ أنت وبيت أبيك بترككم وصايا الرب ويسترك وراء التعليم (امل ۱۸ : ۱۷ - ۱۸). ثم بعد ذلك عاد الخير والمطر بصلاة إيليا النبي، وكان المطر عظيمًا جدا، وكان معه كل الخير: وكان مطر عَظِيمٌ» (۱) مل ١٨: ٤٥).
فالمطر يعني الخير، حتى إننا في مصر عندما تمطر السماء نقول: "خيرا"، وبالفعل المطر هو خير، وخصوصا في البلاد التي تعاني من الجفاف.
خطايا شعب بني إسرائيل، وشر أخاب الملك وزوجته إيزابل، ترتب عليه أن الله منع عنهم الخير.
الهدف من صنع الخير ودرجاته
1. فعل الخير لأجل المصلحة
مثال: ما فعله فرعون مع أبرام وساراي امرأته (تك (۱۲).
لقد صنع فرعون خيرا مع أبرام لأجل مصلحة، وهي أن يأخذ ساراي.
فعل الخير لأجل محبة الخير ذاته
هناك من يفعل الخير محبة للخير ومحبة الله ومحبة للإنسان، دون مقابل.
مثال: أليشع النبي ولعمان السرياني
لقد كان نعمان السرياني مصابًا بالبرص، وعندما جاء إلى البشع، صنع معه أليشع خيرا وأمره أن يذهب إلى نهر الأردن ويغطس سبع مرات، وعندما أطاع أمر البشع شفي. فعاد نعمان إلى البشع وقال له: «خُذْ بَرَكَة مِنْ عَبْدِكَ. فَقَالَ: حَيَّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أمَامَهُ، إِنِّي لَا أَخُذُ"، وَأَلَحٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ فَأَبَى» (۲) مل ٥: ١٥ - ١٦). وأنت أيضا لا تمنع الخير عن أهله: «لا تمنع الخير عن أهله، حين يكون في طاقة يدك أَنْ تَفْعَلَهُ» (أم : ۲۷). فعليك أن تعمل الخير، ولا تنتظر ردا له، لأن الله سيرسل لك الكثير أمام هذا الخير الذي فعلته: «فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلَا يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةً له» (بع ١٧:٤).
فعل الخير لمقابلة الشر
كان المعلم إبراهيم الجوهري مثالاً واضحًا في تاريخ كنيستنا في صنع الخير، فقد عاش أيام المماليك، ووصل في عمله إلى درجة رئيس كتاب القطر المصري" في عهد إبراهيم بك، وهي تعادل رتبة رئاسة الوزراء حاليا.
لقد كان يصنع الخير مع الكل، فكان يُرسل للمسلمين في رمضان الشموع والهدايا. وعمرت في أيامه الكنائس والأديرة، كما كان يساعد الفقراء بسخاء.
ومن المواقف التي تحكى عنه في مقابلة الشر بالخير حدث أن أخاه المعلم جرجس كان يعاني من إساءة شخص ما له، إذ كان يوجه إليه بعض الألفاظ غير اللائقة كلما مر أمامه، فعندما اشتكى إلى أخيه المعلم إبراهيم الجوهري، قال له: "لا تنزعج ولا تغضب أنا سأقطع لك لسانه".
فظن المعلم جرجس أن أخاه سيستخدم سلطانه وسلطته، ولكن المعلم إبراهيم الجوهري أرسل عطايا كثيرة جدا إلى هذا الشخص، ويبدو أنه كان محتاجا. فمر المعلم جرجس أمام هذا الرجل، فوجده يمدحه ويتكلم معه بكلام طيب جدا، فتعجب وعندما سأل أخاه عن السبب، علم ما قدمه المعلم إبراهيم لهذا الرجل من خيرات، وبذلك صار عمل الخير وسيلة طيبة لقطع لسان الشر. وعليك أن تتنبه أنه كما تفعل الخير بالآخرين سيفعل الله بك ويعطيك كل الخير: «أعْطُوا تُغطوا، كَيْلًا جَيْدًا مُلَيَّدًا مَهْزُورًا فَائِضًا يُعْطُونَ في أحضانكم لأنههُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ» (لو ٦: ٣٨).
كيف تكون خيرا؟
الوصية تقول: .... كل حين اتَّبِعُوا الخير بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ وللجميع» (اتس ٥: ١٥). بمعنى أن الخير غير محدود لا بالزمان ولا بالمكان، ولا يقتصر على حدود الأسرة أو الخدمة أو الكنيسة .... إلخ، فالخير هو للجميع في أي مكان وفي أي زمان، كما علمنا السيد المسيح: «كُل مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلَا تُطَالِبُهُ» (لو ٦: ٣٠).
(1) املأ قلبك بالمحبة
حاول أن تملأ قلبك بالمحبة الحقيقية، المحبة التي تكلم عنها الإنجيل والتي دعانا إليها السيد المسيح المحبة التي نأخذها من السيد المسيح على الصليب، بمعنى أن
هذه المحبة ليست هي المحبة الاجتماعية أو الدبلوماسية أو الشكلية.
وكما يُعلمنا الكتاب: «لا تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ الآخرين أيضا» (في ٤:٢).
إن محبة الناس معناها أن نفتش عن خير الآخرين، كما نفتش عن خيرنا. فكر في جارٍ لك محتاجا لشيء، وقدم له هذا الشيء قد تزوره وهو مريض، أو تشتري له شيئا يحتاجه، فهذا خير.
(ب) تعلم روح العطاء:
لكي تصنع الخير، تعلم روح العطاء، وعلمها لأولادك وبناتك، ولو بشيء بسير، مثل العطاء في المناسبات الصغيرة التي تكون في نطاق الأسرة، مثل أعياد الميلاد
فعلم ابنك كيف يُعطي هدية بسيطة لأخيه أو لأخته وهكذا يتعلم الابن أن تكون يده خيرة، وليست يدا ممسكة أو بخيلة. فعلم أولادك العطاء في الحياة، بصفة عامة، وبذلك عندما يكبرون يكون العطاء سمة من سمات شخصيتهم.
(ج) الحرص على تنفيذ وصايا الله:
سفر إشعياء يُعلمنا قائلا: «تَعَلَّمُوا فَعَلَ الْخَيْرِ اطْلُبُوا الْحَقَّ انْصِفُوا الْمَظْلُومَ اقْضُوا لليتيم. حاموا عن الأرملة» (إش 1: ۱۷).
إن الوصية واضحة جدا: «تَعَلَّمُوا فَعْلَ الْخَيْرِ»، بمعنى أن الخير يحتاج إلى تعليم، تماما مثلما تعلم أولادنا القراءة والكتابة. والسيد المسيح قدم لنا هذه الوصية بشكل آخر حين قال: «لأني جُعْتُ فَأطْعَمْتُمُونِي. عطشت فسقيتُمُوني كنتُ غَرِيبًا فَاوَيْتُمُونِي» (مت ٢٥: (٣٥)، فالطعام والماء وكل ما تقدمه هذه كلها أفعال خير يقدمها الإنسان.
وفي النهاية، أود أن أذكركم بقول القديس يعقوب الرسول عن الديانة الطاهرة النقية عند الله: «الدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ الله الآب هِيَ هَذِهِ افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالْأَرَامِلِ فِي ضيقَتِهِمْ وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلا دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ» (بع) ۱: ۲۷). ففعل الخير وصية جميلة ترتقي بالإنسان والإنسانية.
قداسة البابا تواضروس الثاني

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل