في الحروب الروحية الكورة البعيدة

10 مارس 2026

كان الاختباء خلف الشجرة هو أول نتائج وعلامات السقوط فآدم استمع لصوت الله ولكنه لم يرد أن يلتقي به أراد أن يكون حيث لا يمكن لله أن يراه أو يلاحظه أو بالأحرى حيث لا يمكن أن يرى هو الله أو يتحدث معه أراد أن يختبئ خلف شجرة الاستقلالية، وأن ينزوي وراء أوراق الانعزالية بعد أن كان عريانًا ومنفتحًا لا يخشي شيئًا ولا يُخفي أمرًا لقد اختار آدم الكورة البعيدة منزويًا ومنحصرًا في ذاته وانفصل كيانيًا عن الله لذلك خروجه من جنة عدن (انفصاله مكانيًا) لم يكن سوى إعلان عن اختياره المُسبق في أن يحيا مستقلاً عن الله (الانفصال الكياني) مشكلة الإنسان قديمًا في تلك الفكرة الشيطانية وهي أن الإنسان لا يمكن أن يحقق وجوده إلا باستقلاله عن خالقه وهذه ازمة الإنسان المعاصر الآن فهو يعتقد أن الله يهدّد وجوده ويحدّ حريته ويسلبه سلطته لذلك كان طبيعيًا أن يتبنّى الانزوء والاختباء ثم الانفصال والذي يؤدي في أغلب الأحيان إلى الرفض والإنكار وقد اتخذ هذا الأمر أشكالًا عدة عبر التاريخ الإنساني فهناك من أنكر وجوده الله فكريًا (الإلحاد القديم) والبعض الآخر تعمّد رفضه كيانيًا (الالحاد المعاصر) وهناك من لم يضع الله في حساباته ولا أعطى اهتمامًا لوجوده (لا أدري) فالقضية لا تهمه لماذا يشغل فكره بها (وهذا هو الشائع الآن في سائر البلاد الغربية)؟ وهناك من تعامل مع الله على أنه مجرد فكرة والآخر اعتبر الله مجرد قوة (فجرّد الإيمان من قوته والعبادة من فرحها) والأخطر أن هناك من خلق وصمّم لنفسه إلهًا على شاكلة أفكاره وخلفية آرائه (الصنمية) حقًا لقد نجح الشيطان في تشويه الصوره الإلهية في ذهن الإنسان فكان الاختباء والهروب في الكورة البعيدة هو الحل (هكذا توهّم الإنسان) كان الابن الضال يعيش في عائلة وتحت رعاية أبيه (أب وأخ وبيت) ولكنه أراد أن يكون مستقلًا أراد أن يحقق وجوده بانعزاله فبدأ بإخراج أبيه وأخيه من قلبه ثم بعد ذلك من أمام عينيه وذهب ليحيا بعيدًا وحيدًا بدون عائلته والسؤال المصيري: كيف يمكن للإنسان أن يحقق وجوده؟ هل حقًا بانفصاله عن خالقه واعتزال خليقته؟ وهل هذا يضمن للإنسان ذلك الوجود الذي يُسعده ويرضيه؟ الحقيقة الواضحة أن الوجود الإنساني بدون الله تشتُّت وضياع (أنفق كل معيشته بعيش مسرف) جوع وعطش (من يشرب من هذا الماء يعطش) ظلام وتوهان (المولود أعمى) وفي النهاية موت (لعازر) لأنه كيف للإنسان أن يحقق وجوده دون أن يفهم عظمة الكيان الإنساني؟ فهو خليقة الله العاقلة، مخلوق بحسب الصورة والمثال وكيف يمكن أن يدرك قيمة وجوده دون أن يعي رسالته ومسئوليته تجاه العالم والخليقة بكل مكوناتها؟ ولا يمكن للإنسان أن يعي هدف الوجود الإنساني بدون الإيمان بالوجود الأبدي والحياة التي لا تنتهي. فتحقيق الوجود يكون من خلال معرفة الأصل (من أنا؟) وإدراك الرسالة (لماذا أنا موجود؟) وضمان النهاية (إلى أين المصير؟) وهذا لا يتحقق إلّا بالله والحياة في محضره ولذلك سيبقى الله دائمَا أبدًا في ضمير الإنسانية هو البداية والنهاية الهدف والغاية المعنى والقيمة وستظل الحياة الحقيقية هي فقط في "حضن الآب" في محضره وبقربه هذا الحضن الأبوي الذي وُهب لنا في المسيح يسوع وبعمل الروح القدس في كنيسته فالمسيحية تعلمنا أن الحياة لا تتحقق بالانعزال والاستقلال ولكن بالاتصال والاتحاد نحن لا نحيا حينما نكون وحدنا ولكن بقدر ما نكون مع بعضنا، وفي شركة روحية (الكنيسة) كأولاد في محضر وحضن أبينا السماوي.
القس إبراهيم القمص عازر

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل