«صَلُّوا بِلَا انْقِطَاعِ»(۱ تس ١٧:٥)

26 يونيو 2026

هناك ارتباط شديد بين الفرح والصلاة والشكر، حتى إنه تم ذكرهم في ثلاث آيات متتالية: «افْرَحُوا كل حين. صلوا بلا انقطاع اشْكُرُوا في كل شيء» (١ تس ١٦:٥ - ١٨). وهذه الفضائل الثلاث لها ارتباط زمني وثيق؛ بمعنى أنه لا أستطيع أن أفرح، بدون أن أصلي، ولا توجد صلاة بدون شكر ... وهكذا.
ما هي الصلاة؟
الصلاة هي لقاء مع السيد المسيح وحديث من القلب للقلب.
الصلاة هي تنفس الروح.
الصلاة هي الخط المفتوح دائما للاتصال بين الله وبيننا.
. الصلاة هي كوب فارغ يوضع أمام الله ليملأه.
الصلاة تغيرنا، وتغير الآخرين، وتغير الأحوال والظروف.
مراحل الصلاة
يقول الأب تينوفان الناسك عن مراحل حياة الصلاة
1 - أول مراحل الصلاة هي الصلاة بالجسد، والتي تتركب من مجموعة قواعد مثل القراءة، والصلاة والوقوف بخشوع، وعمل المطانيات، ورفع الأيادي .... إلخ، فلكل صلاة النظام الخاص بها. فمثلا صلوات المزامير لها نظام معين وصلوات القداسات لها نظام آخر، وصلوات العشية لها نظام .... وهكذا. وهذا ما يسمى بطقس الكنيسة.
وفي هذه المرحلة يستخدم الجسد في الصلاة، مثل رفع الأيدي، عمل المطانيات
الوقوف .... إلخ؛ أما العقل فكثيرا ما يتشتت، وتشتيت الفكر هو أحد المشاكل الرئيسية للصلاة.
- المرحلة الثانية: تكون فيها الصلاة على قدر كبير من الانتباه الداخلي، حيث يركز ذهن الإنسان في كلمة الصلاة لكي ما يكون منتبها لكل كلمة ينطق بها، فلا يصلي كما يقول المثل: "كما لقوم عادة" (عب (۱۰: (٢٥) !! فهناك شخص يركز في كلمات الصلاة ويستوعبها جدا. ومن ضمن التداريب التي ينصح بها الآباء لكي نستطيع أن تتنبه لكلمات الصلاة، هو أن من يصلي يقوم بقراءة المزمور الواحد مرتين متتاليتين، بحيث إنه إن لم يستطع أن يركز في كلمات المزمور في المرة الأولى، يمكنه أن يركز في المرة الثانية.
- المرحلة الثالثة: يسميها الآباء صلاة القلب، فيها تتجد أفكار الذهن مع مشاعر
القلب لينتج عنها الشعور الدافئ بالوجود الدائم في حضرة الله، وقد تأمل وكتب فيها كثير من الآباء فقلب الإنسان من أهم الأمور في الحياة الروحية، لأنه يكون معبرا عن الكيان الإنساني كله، فيشعر الإنسان في هذه اللحظة أنه متواجد في الحضرة الإلهية، ولا يشعر بمن يتواجد حوله من الناس؛ ولكن بالطبع هذه المرحلة هي مرحلة متقدمة جدا في الحياة الروحية.
لذلك عندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، فإنه يكون قد وصل إلى الصلاة بلا انقطاع: "الصلاة الدائمة".
الصلاة الدائمة
هي الصلاة التي لا تتوقف، يُصلّي فيها الإنسان بلا انقطاع، يترنم بشكر، بمجد الله منذ اللحظة التي يفتح فيها الإنسان عينيه وحتى المساء.
هي صلاة عفوية تخرج من القلب، هي تعمل كما يعمل القلب باستمرار، إذ توقفه يعني الموت هي كالتنفس الذي لم يتوقف منذ ولادتنا، أو مثل الدم الذي يجري في عروقنا بدون انقطاع، وتوقف دورانه يعني الموت.
الصلاة بلا انقطاع هي شركة مع الله لا تنفصل عنه، لا تفصلها سوى الخطية. عندما سئل القديس باسيليوس الكبير : كيف أن الرسل كانوا يصلون بلا انقطاع ؟
أجاب في كل أعمالهم كانوا يتفكرون في الله، فكانت هذه الحياة الروحية هي صلاتهم الدائمة.
قال أحد الآباء: "إن داومت كل حين على طعام الحياة الذي للاسم القدوس، اسم ربنا يسوع المسيح بغير فتور، فهو حلو في فمك وفي حلقك، وبترديدك إياه تتقدس نفسك، وبذلك يمكن أن تقتني الحياة "(1).
محور الصلاة الدائمة يرتكز في اسم يسوع المسيح، وهذا الاسم إن أكثرت في ترديده يصل إلى الحلاوة في فمك، كما نقول في إبصالية السبت: "اسمك حلو ومبارك في أفواه قديسيك"، وأيضا: أعطى فرحًا لنفوسنا تذكار اسمك القدوس". فبمجرد ذكر اسم يسوع يشعر الإنسان بالفرح، وهذا هو ارتباط الصلاة بالفرح وبالشكر، كما ذكرنا سابقا.
والصلاة الدائمة يربطها الآباء بالتنفس، حيث إن الصلاة الدائمة عبارة عن جملة تتكون من كلمات معدودة، هذه الكلمات مثل السهم له مقدمة، هذه المقدمة هي اسم يسوع. ومن الأمور الجميلة في التاريخ الكنسي، أن الآباء الذين عاشوا الحياة المسيحية النسكية ابتكروا الصلاة القصيرة أو الصلاة السهمية، ويُعتبر هذا من الابتكارات الرائعة.
ومنذ القرن الرابع امتدت الصلاة الدائمة عند كافة الكنائس الشرقية وفي البراري المصرية فتظهر في تعليم نيلس السينائي ويوحنا الدرجي، وتظهر واضحة في تعاليم مار إسحق السرياني. وانتقل كل هذا التراث القديم بكل غناه إلى الآباء الروس الذين قاموا بتطبيقه بكل أمانة وإخلاص وشغف حتى بلغوا فيها شأنا كبيرا. ويظهر هذا بوضوح في قصة السائحالروسي التي سنتعرض لها فيما بعد. وإذا تتبعنا تاريخ الصلاة الدائمة، نجد أن الله نفسه طلبها من الآباء في العهد القديم، فيقول في سفر التثنية: «وَلتَكُنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وجين تمشي في الطريق، وحين تنام، وحين تقوم، واربطها علامة على يدك، ولتكن عَصَالِبَ بين عينيك» (نت ٦: ٦ - ٨).
وفي العهد الجديد يظهر منهج الصلاة الدائمة بتكرار اسم الرب يسوع باستمرار: "يا ربي يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا الخاطئ"، مع استخدام الفم والعقل والقلب وجميع الحواس.
ولقد تعود الشرقيون أن يستعملوا هذه العبارة، ويمكن أن يقال باختصار: "يا ربي يسوع ...... فلتكن كلمة الرب في قلبك وتحكيها دائما لأولادك، كما يقول داود النبي: أخْبِرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي فِي وَسَطِ الْجَمَاعَةِ أَسَبِّحُكَ» (مز ۲۲: ۲۲). ولتكن كلمة الرب هي محور حديثك في البيت، وسط كل الأسرة.
صلاة يسوع:
فكرة الصلاة القصيرة تعتمد على فضيلة ترك القلب عند الله، فاترك قلبك دائما عند الله، فهو الذي خلقك وأعطاك الحياة، ثم فداك، وهو الذي يدبر لك أمورك في كل يوم بل في كل لحظة، وكما يعلمنا الكتاب: «حيث يكون كترك هناك يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا» (مت ٦: ٢١). فاسأل نفسك أين هو قلبي ؟ كما يقول الكاهن في القداس: "أين هي قلوبكم"؟ ونجيب جميعا: "هي عند الرب".
واسأل أيضا أمنا العذراء: "أين هو قلبك"؟ بالطبع ستكون الإجابة: "إن قلبي عند مسيحي". فاترك قلبك عند الله دائما، والله يستحق هذا لأنه هو الذي أوجدك وأعطاك هذا القلب. وقد أوصانا الله في الكتاب قائلا: يا ابني، أعطني قلبك، ولتلاحظ عيناك طرقي» (أم ۲۳ (٢٦)، ومن هنا جاءت الصلاة القصيرة التي تقول: "يا ربي يسوع المسيحابن الله ارحمني أنا الخاطئ".
الصلاة الدائمة هي الصلاة السهمية"، ولأن كلماتها قليلة تسمى: "الصلاة القصيرة"؛ ولأن كلماتها تتكرر تسمى: "الصلاة الدائمة"، وتسمى أيضا: "صلاة يسوع".
وكنيستنا القبطية غنية جدا بالصلاة، ويوجد بها كثير من الصلوات المتنوعة. فمثلا كلمة "كيرياليسون" تعتبر صلاة، وقطع الأجبية عبارة عن صلوات، ويوجد صلوات طويلة مثل العشيات والقداسات والتسبحة والمدائح مثل الإبصاليات والتيتوطوكيات ، وكلها صلوات ملحنة ومنعمة بالموسيقى لكي ما ترتفع بمشاعر الإنسان. فكلمة الصلاة تصدر من العقل والفم، ووجود موسيقى أو نغم أو كلمات موزونة تعتبر أرقى ما يمكن أن يقدمه الإنسان الله. فقد أعطى الله للإنسان موهبة النطق، لكي ما يسبحه بها، كما إنه أعطاه آلة موسيقية طبيعية وهي الحنجرة، كما أعطاه الوتر الصوتي وهي الأحبال الصوتية، وهي من أرقى الأعضاء في جسم الإنسان
ومن هنا نجد أن التسابيح والصلوات والألحان، تقدم في الكنيسة كتعبير حب الله.
الهدف من حياة الصلاة الدائمة
الشعور الدائم بوجود الله.
. إنها تصل بالإنسان للسكينة، وتعمل على التخلص الكامل من ضجيج العالم والجسد والعواطف.
يقول عنها القديس إسحق تلميذ الأنبا أنطونيوس: "إن الصلاة الدائمة في تلاوتها ثقة وسلام وأدوية شفاء من الهموم والأحزان والضيقات فاجعلها لك رفيق الطريق اجعلها على عتبة فمك واربطها على صفحات قلبك".
ويروي لنا عن معلمه الأنبا أنطونيوس قائلا: "كيف كان عقله يسبى وهو يصلي طول الليل حتى إذا بدأت الشمس في الظهور، قال لها وهو منقد بالروح لماذا تعوقيني ؟ أتشرفين لكي تأخذيني من أشواق النور الحقيقي (٢)؟!
لقد واظب الأنبا أنطونيوس على الصلاة الدائمة، حتى قيل عنه: إنه كان يتنفس بالمسيح.
قداسة البابا تواضروس الثاني

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل