الشهداء والأبدية

12 سبتمبر 2026

تحتفل الكنيسة اليوم بتذكار آبائنا الشهداء وجعلته رأس لكل الشهور عندما أرادت الكنيسة أن تحتفل بعيد الشهداء أرادت أن تجد توقيت مناسب فوجدت أن أفضل توقيت هو العام الذي ملك فيه دقلديانوس عام 283م العام الذي تقلد فيه دقلديانوس حكم البلاد وأهان الكنيسة ومارس عليها عذابات كثيرة وازداد عدد شهدائها الكنيسة تأخذ هذه السنة التي بها آلام وتعب وتجعلها رأس لكل الشهور لأنها الباب الذي فتح الأبدية وضعَّفت الكنيسة به إشتياقاتها وهو أجمل وقت عاشته لذلك جعلته عيد دائم لا ينقطع ورأس لكل الشهور وصار قلب الكنيسة في السماء وحولت إشتياقاتها من مملكة أرضية إلى مملكة سماوية روحانية هذه هي فكرة إحتفالنا بالنيروز لا يوجد أجمل من إحتفالنا مع آبائنا الشهداء لدخول عهد جديد فكر الكنيسة هو أن الألم يجلب مجد الألم يجلب أبدية الإستشهاد ليس خسارة بل مكسب سماوي الأسبوع الماضي إحتفلت الكنيسة بعيد شهيد كان يعمل في القصر الملكي وكان كلما رأى مسيحي يستشهد يسأله لماذا تتقدم للإستشهاد ؟ يجيبه الشهيد لأجل رجاء الحياة الأبدية إستفانوس كان يُرجم بالحجارة بقسوة لكن في نفس الوقت كان يرى السماء مفتوحة وإبن الإنسان جالس عن يمين العظمة منظر جعله لا يشعر بقسوة الحجارة رجاء الحياة الأبدية جعل الشهداء يحتملون الألم وفتح قلبهم على المجد هل تتخيل أن أحد الشهداء يكون شخص كاذب أو سارق أو شهواني أو كاره أو ؟ بالطبع لا يمكن الإستشهاد ليس هو سفك دم بل هو كمال إعلان الحب الإلهي إبحث في سير الشهداء نرى كم بهم من محبة إلهية وفرح وغلبة لأنه ليس محصور في الأرض بل عينه على ما بعد الألم ويؤمن بما بعد الموت إلى الأبدية وكما يقول معلمنا بولس الرسول ﴿ لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً ﴾ ( 2كو 4 : 17) ﴿ بعد ما تألمتم يسيراً ﴾ ( 1بط 5 : 10) هل كل هذا الألم وتقول يا معلمنا بطرس * تألمتم يسيراً * ؟ نعم بالنسبة للأبدية ألم يسيرهذا هو الفكر الذي جعل الكنيسة لا يخلو عصر لها من الشهداء كل عصر تطلب الكنيسة الحب لله وهؤلاء هم عشاق ربنا يسوع فأعطوه حياتهم الداخلية فصارت أجسادهم تميل للصلاة وعقولهم تميل للمجد والأبدية دائماً لذلك الإستشهاد ليس لحظي بل هو ملخص حياة فكانوا يبحثون عن المضطهدين ويذهبون إليهم وكما يقول الشيخ الروحاني ﴿ يجرون في طريق الأتعاب بلا شبع يُسرعون في حمل تعاذيبهم نعم أيها الحب الإلهي لقد سلبت منهم كل شئ ﴾ سلب منهم حياتهم فصارت قليلة أمام محبة الله فطلبوا منه أن يقدموا له ما هو مقابل محبته وسفك دمه وقالوا على الأقل نقدم له دمائنا لذلك الكنيسة بحكمة تربط بين دماء الشهداء والمذبح لأن في سفر الرؤيا دماء الشهداء تصرخ تحت المذبح لذلك المذبح في الكنيسة الأرثوذكسية يُشبه القبر مصمت لأنهم كانوا يدفنون الشهداء تحت المذبح وبالتالي يمثل قبر داخله عظام الشهداء بينما في الكنيسة الكاثوليكية المذبح ما هو إلا مائدة هو قدم دمه عنهم وهم قدموا دمائهم له يقول سفر الرؤيا عن ربنا يسوع ﴿ خروف قائم كأنه مذبوح ﴾ ( رؤ 5 : 6 ) أي قائم حي وكأنه مذبوح أي دمه دائم السفك وليس سُفك لفترة وانتهى بل مستمر في سفكه حتى الآن ونحن نتناول الإفخارستيا ليختلط دمه بدمنا فنحبه ونقدم له ذواتنا الإستشهاد مازال ساري لم يتوقف نعم لا يوجد سفك دم لكن هناك إستشهاد من نوع آخر عندما تصلب عينيك أليس هذا إستشهاد ؟ عندما تصلب رغباتك وشهواتك أليس هذا إستشهاد ؟ تستطيع أن تموت شهيد كل يوم الذي يموت شهيد في لحظة يستريح لكن الذي يقدم الشهادة كل يوم جميل نحن نقدم له حياتنا وهو يقدم لنا حبه ودمه المتنيح أبونا بيشوي كامل كان يقف أمام مذبح القديسة دميانة ويقول هي أحبته وهو أحبها هي سفكت دمها من أجله وهو سفك دمه من أجلها على المذبح الشيخ الروحاني يقول أن ﴿ الحياة الروحية هي مقابلة عشق بعشق ﴾هو أحبنا بلا حدود وبلا سبب وهكذا نحن نحبه بلا سبب وبلا حدود أنا شهيد بمحبتي له وبوضع نفسي تحت الجميع وشهيد له ببذل نفسي عن الجميع هذا الإستشهاد نحن مدعوين له هذا يثبت فينا روح الإستشهاد اليوم عيد جميل لا تجعله يمر ببساطة دون وقفة مع نفسك يقول المزمور ﴿ سبحوا الرب تسبيحاً جديداً ﴾ ( مز 95 – من مزامير التاسعة ) – أي يوم جديد – شخص جديد – إبدأ بقلب جديد وفكر جديد واحد أحب من مات لأجله فكيف نصلي ؟ ﴿ بشروا من يومٍ إلى يومٍ بخلاصه ﴾( مز 95 – من مزامير التاسعة ) لذلك الإنجيل يقول ﴿ يُشبه ملكوت السموات كنزاً مُخفى في حقل وجده إنسان فأخفاه ومن فرحه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل ﴾ ( مت 13 : 44 ) هو ذهب ليستشهد ليجد حياة جديدة نقول له أنت تسفك دمك ؟ يقول لأجل حياتي لذلك كان في الكنيسة عشق في حياة الشهداء فتجد الآلاف يذهبون للإستشهاد دفعة واحدة فتجد السنكسار يقول * اليوم تذكار إستشهاد ثلاثين ألف مسيحي من الأسكندرية * ألهذه الدرجة قسوة ؟ نعم لأن دقلديانوس كان أصله سايس خيل أي شخص بلا ثقافة همجي وعقله وقلبه غير موجود لذلك كان قاسي والكنيسة جعلت عصره بركة رأس لكل الشهور لأننا لا نحسب الأيام بالتاريخ بل يارب إجعلها ملء التاريخ لأنها باب لدخول الأبدية وعمل إنفتاح على السماء فصاروا يسبحون في السماء ونحن معهم على الأرض فصار لسان السماء هو لسان الأرض لذلك يقول الشهداء في السماء ﴿ حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا ﴾ ( رؤ 6 : 10 ) أي لماذا تصمت عن الذين يعذبون من في الأرض ؟ أي أنهم يتكلمون بلساننا والملائكة تقول ﴿ لأنك ذُبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة ﴾ ( رؤ 5 : 9 ) هل الله فدى ملائكة ؟ لا لكنهم صاروا يتكلمون بلساننا ونحن نتكلم بلسانهم وصار الأمر مفتوح بيننا وبينهم أي ونحن على الأرض كأننا في السماء وهم في السماء كأنهم على الأرض معنا لذلك الكنيسة هي منفذ للأبدية ولذلك صار الإستشهاد مجد الأبدية الكنيسة كانت تعلم أولادها الإحتمال وأنهم اليوم أو غداً سيتقدمون للإستشهاد هل لو نحن مثلهم يكون فكرنا مستعد للإستشهاد أم يكون فكرنا ماذا نأكل وماذا نشرب ؟ هل لو أنا في موقف إستشهاد سأهرب أم أثبت أم أتراجع ؟ لذلك الكنيسة عندما وجدت أن بعض من أولادها هربوا من الإستشهاد وضعت لهم قانون توبة من الذي ضعف في لحظة الإستشهاد ؟ هو من سلك بحسب الجسد بينما الذي سلك بحسب الروح صار الإستشهاد له سعادة لأنه يعطيه الأبدية ألم نصلي ﴿ وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي ﴾ ؟ أي ننتظر الأبدية بشغف ونتوقع مجيئه ونصلي في إتجاه الشرق متوقعين مجيئه لذلك الإستشهاد فتح الطريق للكنيسة لتقدم آلاف من أولادها للسماء لذلك اليوم يوم بهجة ولقاء عميق بين الكنيسة وعريسها ولابد أن يكون لنا نظرة جديدة لحياتنا ومستقبلنا وكل أمورنا لأننا إن عشنا للرب نعيش وإن متنا للرب نموت إن عشنا وإن متنا فللرب نحن ( رو 14 : 8 ) ربنا يكمل نقائصنا ويسند كل ضعف فينا بنعمته
له المجد دائماً أبدياً آمين
القمص أنطونيوس فهمى كاهن كنيسة مارجرجس والأنبا أنطونيوس محرم بك الأسكندرية

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل