التعب في الخدمة
08 يوليو 2026
ولسنا نقصد هنا تعب العالم الباطل بل التعب لأجل الملكوت أما تعب العالم الباطل فهو يشبه تعب سليمان في أمور الرفاهية والغني حيث قال بعد ذلك "ثم التفت أنا إلى كل أعمالي التي عملتها يداي وإلى التعب الذي تعبته في عمله، فإذا الكل باطل وقبض الريح ولا منفعة تحت الشمس" (جا 2: 11) أما التعب الذي تتعبه لأجل الله فهو تعبك من أجل خلاص نفسك ومن أجل بناء الملكوت وسوف نركز الآن على هذا التعب في الخدمة.
إن كل تعب تتعبه من أجل الله هو محفوظ لك في ملكوته.
بقدر ما تتعب هنا ترتاح في الأبدية وبقدر ما تحتمل هنا سوف تتنعم هناك وكما قال أيوب الصديق "هناك يستريح المتعبون" (أي 3: 17) وبحسب تعبك لأجل الله على الأرض يحسن مستواك الروحي وفي الأبدية يحسن مصيرك وهؤلاء الذين تعبوا في بناء ملكوته "يستريحون من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم" (رؤ 14: 13) وما أجمل قول القديس بولس الرسول عن التعب في الخدمة "إذن يا أخوتي الأحباء كونوا راسخين غير متزعزعين مكثرين في عمل الرب كل حين عالمين أن تعبكم ليس باطلًا في الرب" (1 كو 15: 58) ذلك "لأن الله ليس بظالم حتى ينسي عملكم وتعب المحبة الذي أظهرتموها نحو اسمه إذ قد خدمتم القديسين وتخدمونهم" (عب 6: 10) نعم هؤلاء سوف يستقبلهم الرب بعبارته المعزية "تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم" (مت 11: 28) أريحكم ليس على الأرض فقط بل في السماء أيضًا على الأرض ترتاح ضمائركم وقلوبكم وفي السماء ترتاح أرواحكم قال بولس الرسول عن عمله في الخدمة "أنا غرست وأبلوس سقي والغارس والساقي هما واحد ولكن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه" (1 كو 3: 6، 8).
إن الأنصبة في الملكوت ليست واحدة.
فكما يقول الرسول "لأن نجما يمتازعن نجم في المجد" (1كو 15: 41) ومادام الله سوف يجازى كل واحد بحسب عمله" (مت 16: 27) إذن عليك أن تبذل كل جهدك في خدمة الله أنت هنا على الأرض عالما أن الله يرقب عملك ويحسب لك كل تعبك كما قال لملاك كنيسة أفسس "أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك وقد احتملت ولك صبر وتعبت من أجل اسمي ولم تكل" (رؤ 2: 2-3).
إن تعبك يدل على مقدار محبتك لله وملكوته.
فالذي يحب الله لا يسمح أن يعطي لنفسه راحة بل يجاهد حتى يوصل كل إنسان إلى قلب الله كما قيل عن داود النبي ونذره لإله يعقوب "إني لا ادخل إلى مسكن بيتي ولا أصعد على سرير فراشي ولا أعطى لعيني نومًا ولا لأجفاني نعاسًا إلى أن أجِد موضعًا للرب ومسكنا للإله يعقوب" (مز 132: 2 – 5) فاسأل نفسك ما هو مقدار تعبك من أجل الرب؟
هوذا بولس الرسول الذي تعب أكثر من جميع الرسل (1كو 15: 10) يشرح لنا بعضا من أتعابه في الخدمة فيقول في الأتعاب أكثر في الضربات أوفر في السجون أكثر في الميتات مرارًا كثيرة من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة ثلاث مرات ضربت بالعصي مرة رجمت بأسفار مرارًا كثيرة بأخطار سيول بأخطار لصوص بأخطار من جنسي بأخطار من الأمم بأخطار في المدينة بأخطار في البحر بأخطار من أخوة كذبة في تعب وكد في أسهار مرارًا كثيرة في جوع وعطش في برد وعري عدا ما هو دون ذلك التراكم على كل يوم الاهتمام بجميع الكنائس" (2 كو 11: 23-28) وأنت يا أخي ما هو تعبك في الخدمة إذا قورن بكل هذا؟ أعرف أن كل ما تتعبه في خدمة مسجل لك في سفر الحياة حينما تفتح الأسفار في يوم الدينونة وحينما تكشف كل الأعمال ستجد كل ما عملته مسجلًا لك حتى كأس الماء البارد الذي تقدمه لأجل الله هذا أيضًا لا يضيع أجره (مت 10: 42) كل خطوة تخطوها إلى الكنيسة أو في افتقاد إنسان هذه أيضًا محسوبة لك تنال أجرها في الملكوت كل حبة عرق تسكبها كل كلمة تعزية تقولها كل ذلك مسجل لك في سفر الحياة.
لا تقل أنا تعبان في الخدمة، ولا يشعر بي أحد!
كلا فإن الله يقول لك تلك العبارة التي كررها لكل ملاك من ملائكة الكنائس السبع "أنا عارف أعمالك" (رؤ 2، 3) حتى إن لم تجد تقديرًا على الأرض ستجد كل التقدير في السماء والأعمال المخفاة سوف تظهر وتنال عليها أجرًا أكبر بل صدقني حتى أتعابك التي قد نسيتها أنت هي نسيتها أنت هي محفوظة عند الله إنه يذكرها لك لن ينساها وسوف يقول لك في ذلك اليوم مع كل أخوتك الذين تعبوا مثلك وخدموا "تعالوا يا مباركي الرب رثوا الملك المعد لكم منذ تأسيس العالم" (مت 25: 34) إن الله لا يمكن أن ينسي تعبك وخدمتك بل أقول إنه حتى الرسل لم ينسوا أبدًا الذين تعبوا معه في الخدمة هوذا بولس الرسول يقول في رسالته لأهل رومه "سلموا على مريم التي تعبت لأجلنا كثيرًا سلموا على تريفينا وتريفوسا التاعبتين في الرب سلموا على برسيس المحبوبة التي تعبت كثيرًا في الرب" (رو 16: 6، 12) وعندما أرسل إلى تلميذه تيموثاوس أوصاه أن يقيم اعتبارًا حسنًا فليحسبوا أهلًا لكرامة مضاعفة ولاسيما الذين يتعبون في الكلمة والتعليم" (1 تي 5: 17) فإن كان الرسول يذكر الذين تعبوا فكم بالأكثر يذكرهم الله لذلك لا تفكر أبدًا أن تعطي نفسك راحة في خدمتك بل اتعب في تحضير الدروس وفي الإطلاع واتعب في الافتقاد وفي حل مشاكل الناس واصبر في احتمال المقاومات التي تصادفك في الخدمة ولا تترك خدمتك بسببها اتعب في إعادة الشاردين من الله الرافضين التوبة وكما قال الرسول "خلصوا البعض بالخوف مختطفين من النار" (يه 23) واذكر قول الكتاب "من رد خاطئًا عن ضلال طريقه يخلص نفسًا من الموت ويستر كثرة من الخطايا" (يع 5: 20) حقًا إن النفس الثمينة التي مات المسيح لأجلها تستحق منك أن تبذل كل تعب في سبيل خلاصها لذلك جاهد ولا تيأس حتى إن تأخر ثمر تعبك في الظهور استمر لا تترك غيرك يتعب وأن تدخل على تعبه (يوم 4: 38) بل اشترك في التعب أيًا كان الجهد الذي تبذله ولا تقف لتتفرج على الذين يتعبون فملكوت الله ليس للمتفرجين إنما الملكوت للذين يتعبون في بنائه تأمل كيف تعب القديس أثناسيوس الرسولي في حفظ الإيمان وفي مقاومة الأريوسيين حتى أنه نفي عن كرسيه أربع مرات وتأمل كيف تعب بولس الرسول واستطاع أن يقول أخيرًا "جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان وأخيرًا قد وضع لي إكليل البر " (2 تي 4: 7) تأمل أيضًا كيف تعب نحميا كثيرًا يبني سور أورشليم وكيف لاقي مقاومات وصبر عليها حتى أكمله عمله واعلم أنك في خدمتك سيشترك الله معك ولن يتركك تتعب وحدك ونحن نصلي في الكنيسة ونقول للرب "اشترك في العمل مع عبيدك" والقديس بولس الرسول يقول عن نفسه وعن أبلوس "نحن عاملان مع الله" (1 كو 3: 9) إن الله باستمرار يعين خدامه في خدمتهم يعمل معهم ويعمل فيهم ويعمل بهم لذلك في خدمتك حاول أن تكون مجرد آلة في يد الله يعمل بها وصل في قلبك هذا المزمور"إن لم يبن الرب البيت فباطلًا تعب البناءون" (مز127: 1) لذلك فالخدمة تحتاج أيضًا إلى تعب في الصلاة لأجلها لكي يتولاها الله بعنايته ولكي تشعر بيد الله فيها لأنك ربما تفكر أن التعب في الخدمة هو مجرد تعب ذراعك البشري كلا فقد قال الرب "بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئًا" (يو 15: 5) لذلك جاهد في أن تشرك الله معك في الخدمة بصلوات بأصوام بمطانيات بصراع مع الله وحذار من أن تبحث عن الخدمات السهلة أو تدخل إلى الخدمة من الباب الواسع!
ذلك لأن كثيرين من الذين لا يحبون التعب في الخدمة يهربون من الخدمات التي تحتاج إلى جهد كبير أو التي تصادفها بعض المشاكل! ولا يقبلون إلا الخدمة السهلة وقد يبررون المر ببعض كلمات تواضع! كأن يقول الشخص "أنا أصغر من هذا الأمر أنا لم أصل إلى مستوى هذه الخدمة أنا ليست لي مواهب" والرب يرفض كل هذه الاعتذارات وقال لإرميا "لا تقل إني ولد لأنك إلى كل مَن أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به" (أر 1: 7) الخدمة الصعبة تظهر فيها يد الله كما يظهر فيها بذل الإنسان وتعبه كما تظهر فيها محبته للملكوت ومحبته لخلاص الناس وعدم اهتمامه بنفسه وبراحته واستعداده لحمل الصليب في الخدمة وعدم تذمره على الضيقات في الخدمة ومثل هذه الخدمة لها أجر كبير وهي التي دعا إليها الرب تلاميذه حينما قال لهم "ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب" (مت 10: 16) ولم يهرب تلاميذ الرب من خدمه كهذه نعم خير لنا أن نتعب لكي يستريح الناس لا أن نستريح نحن ونتركهم يتعبون.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
عن كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي الجزء الثانى