"صَلُّوا كل حين"(لو ۱۸: ۱)(۲)

03 يوليو 2026

الصلاة الدائمة يكون فيها الإنسان في حالة يقظة روحية دائمة، وإحساس مستمر بالله، مع سيطرة كاملة على الأفكار والشهوات وتاريخها تاريخ قديم، فأول ما نسمع عنها نسمعه في تعاليم الآباء الكبار، أمثال: القديس مكاريوس الكبير، والقديس إسحق تلميذ الأنبا أنطونيوس رغم بساطة ومرونة هذه الصلاة إلا أن لها قوة وفاعلية، ففيها تذكر اسم الرب يسوع في إخراج الشياطين، وشفاء المرضى هي صلاة تلقائية يمكن أن ترددها ونحن نزاول أنشطتنا اليومية، فهي لا تحتاج إلى مجهود في حفظها، مثل الصلوات والمدائح الطويلة.
وهذه الصلاة من الممكن أن تستخدمها وأنت تقوم بأي عمل آخر، مثل الأم وهي تطهي الطعام، وأيضًا الآباء الرهبان يصلون هذه الصلاة أثناء تأدية أي أعمال يدوية أو خدمة الزوار في المائدة وهي عكس الصلوات القانونية التي تكون تأديتها صعبة في مثل هذه الأوقات هذه الصلاة ينطبق عليها قول الأب ثينوفان الناسك اليدان منشغلتان في العمل، والذهن (العقل) والقلب مع الله ترديد هذه الصلاة يجعلها عادة في اللاوعي، وتجعلك دائما في وجود دائم في حضرة الله. ومن هنا نفهم وصية السيد المسيح حين قال: «وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلًا فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يصلى كل حينٍ وَلا يُمَل» (لو ۱۸: ۱) ولكن كيف يمكن أن تصلي كل حين، بالرغم من وجود مسؤوليات لكل فرد منا من عمل أو دراسة ... إلخ؟
إجابة هذا السؤال: إنه طالما حياتك حاضرة أمام الله باستمرار، فهذه تعتبر صلاة، فلا يقطع صلوات الإنسان إلا خطاياه. فمثلا من يستذكر دروسه، فهو يقوم بعمل إيجابي لحياته وحياة الإنسانية كلها، وهذه تعتبر صلاة؛ وهكذا من يقوم بعمله بأمانة، فهو بمثابة من يمارس حياة الصلاة وأيضا من له علاقة جيدة بأفراد أسرته، فهذه صلاة فاجعل دائما قلبك مرفوعا الله خلال كل عمل تقوم به. وهناك آية جميلة تقول: «فإذا كنتم تأكلون أو تقربون أو تفعلون شيئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجدِ الله» (۱) کو ۱۰ :۳۱)، بمعنى أنك تحوّل وتمزج كل أفعالك بروح الصلاة الدائمة. ولكن احذر لأن عدو الخير لا يمل من محاربة الإنسان. فيبعث إليه بأفكار تشتت ذهنه أثناء الصلاة، وكذلك حروباً مختلفة قد تكون خفيفة أو ثقيلة من أجل تشتيت الدهن أو ترك الصلاة.
والوسيلة الوحيدة لطرد حروب الفكر الشديدة التي يحاربنا بها عدو الخير، هي الصلاة السهمية. ومن هنا سميت سهمية، لأنها تكون كالشهم في إصابته للعدو. وللقديس يوحنا الدرجي هذه العبارة الجميلة اهزموا واجلدوا أعداءكم باسم الرب يسوع، لأنه ليس هناك أقوى منه، لا في السماء ولا على الأرض".
الترديد التلقائي لاسم ربنا يسوع المسيح، المرونته وبساطته، يساعدنا على الصلاة بلا انقطاع.
الأنبا إيليا:
قيل عنه المحبته في الوحدة أقام في بربا خربة، فأتاه الشياطين قائلين: "اخرج من هذا المكان لأنه موضعنا". فأجابهم الشيخ: "أنتم ما لكم مكان". فبددوا خوصه، وقالوا له: "اخرج من ههنا. فقام وجمعه، وجلس يضفر وهو صامت، فبددوه له أيضا قائلين: "أخرج من موضعنا". فقام أيضا وجمعه وجلس صامنا. ثم إن الشياطين أمسكوا بيده، وبدأوا يجرونه إلى خارج قائلين: "لا تقم ههنا، لأنه موضعنا". فلما بلغ الباب أمسكه بيده وصرخ قائلا: "يا يسوع المسيح إلهي أعني"، وللوقت هربت عنه
الشياطين، فابتدأ الشيخ يبكي، فجاءه صوت الرب قائلاً له: "لماذا تبكي"؟ فقال الشيخ: كيف لا أبكي وهؤلاء يتجاسرون هكذا على محاربة خليقتك"؟ فقال له الرب: "إنك أنت الذي توانيت، فلما طلبتني وجدتني".
صلاة يسوع تجعل الإنسان في حديث دائم مع الله، فبينما الإنسان يجسده مع الناس، يكون عقله وقلبه منشغلين بالله وكل الذين مارسوا تلك الصلاة واستمروا فيها، أصبحت عندهم حساسية نحو أقل خطية، خشية أن يفقدوا تلك العشرة مع السيد المسيح، فجعلتهم أكثر النصافا به.
السائح الروسي
من أبرز الذين تقرأ عنهم في تطبيقهم لصلاة يسوع السائح الروسي"، فالروس - كما قلنا - طبقوا هذا المنهج بأمانة وإخلاص حتى بلغوا فيه شأنا.
والسبب في أن هذا السائح طبق هذا المنهج، كان هذه الآية التي هي محور تأملنا: صلوا بلا انقطاع".
لقد وجدت القصة في التاريخ الرهباني بعنوان: سائح روسي على دروب الرب". وكلمة سائح، ليس المقصود بها شخصا قادما للنزهة أو التجوال في بلد ما؛ ولكن المقصود بها درجة عليا في الحياة الروحية، أو الحياة الرهبانية المسيحية.
هذا السائح الروسي قرأ في الكتاب المقدس الآية التي تقول: «ينبغي أن يصلى كل حين وَلَا يُمَلَّ» (لو ۱۸ :۱) فنقلت هذه الكلمات - عن كل ما عداها - إلى أعماقه، وبدأ يفكر: كيف يمكن أن يُصلّي بلا انقطاع وهو منشغل بمهام كثيرة. وهنا جال باحثا عن معنى الصلاة كل حين وبلا انقطاع، وكيف يمكنه أن يطبق هذه الآية ؟!
فأخذ هذا السائح البسيط على عائقه أن يتنقل بين الآباء في براري روسيا، لعله يجد إجابة لسؤاله كيف يمكنه أن يصلي في كل حين ؟! وبعد أن جال كثيرا باحثا عن تطبيق عملي لوصية الصلاة كل حين، دله أحد الآباء بأن الصلاة الدائمة غير المنقطعة، هي مناداة اسم الرب يسوع بالشفاه وبالفكر وبالقلب. وتغرس هذه العاطفة بترديد هذه العبارة: "يا ربي يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا الخاطئ".
وقال له: أجبر نفسك على أن تقولها دائما فإذا نجحت إلى زمن، حينئذ سينفتح قلبك للصلاة الدائمة. وقال له: إن هذا هو تعليم الآباء، فأطع إرشادي من الآن فصاعدا، وكرر صلاة يسوع ۳۰۰۰ مرة في اليوم أثناء قيامك وجلوسك ورقادك ومشيك وعملك وراحتك.
وقلها بهدوء وبدون إسراع، ولا تحاول أن تنقص أو تزيد في العدد والله سيساعدك، وبتلك الطريقة ستصل إلى صلاة القلب غير المنقطعة، فقبل الأمر بسرور ومضى إلى كوخه، فوجد أن الأمر صعب في اليومين الأولين، ولكن بعد ذلك سهل عليه لدرجة أنه كلما توقف شعر بما يدفعه إلى الاستمرار فذهب إلى مرشده فأمره بالمزيد، وفي كوخه ردد هذه الصلاة أسبوعا آخر دون أن يتضايق، وتعلم كيف يركز ذهنه وكيف لا ينشئت عقله إلى الأفكار الأخرى وشعر أنه إن توقف عن هذه الصلاة فكأنه فقد شيئًا. وعندما قابل مرشده وأخبره عن فرحه وارتياحه، فقال له: هذه نتيجة طبيعية للمجهود المتواصل والروح اليقظة.
ولذلك يمكن للإنسان أن يفرد وقتًا خلال يومه لكي ما يُصلّي فيه هذه الصلاة السهمية، وإن قدمت هذه الصلاة مصحوبة بالميطانيات، يكون تأثيرها أقوى. فالإنسان يقول وهو منتصب: "يا ربي يسوع المسيح"، مع رشم ذاته بعلامة الصليب؛ ثم يسجد إلى الأرض قائلا: "ارحمني أنا الخاطئ".
وكأن الإنسان في كل ميطانية، يقول للرب بسجوده إلى الأرض: "إن خطيئتي قد أوصلتني إلى أسفل، إلى الأرض"؛ ثم بقيامه مرة أخرى للوقوف كأنه يقول للرب: "إن فداءك وقيامتك قد أقاماتي من الخطية".
ولكن لا مانع من ترديد هذه الصلاة والإنسان جالس، فكل واحد حسب ظروفه الصحية. وهذه الصلاة الدائمة تحتاج إلى نوع من التدريب، وذلك بمشورة أب الاعتراف. وتحتاج أيضًا إلى نوع من التركيز، ويمكن أن تصلبها في ضوء خافت (على ضوء شمعة) والبعد عن الأجهزة الكهربائية.
قد تتعثر في بداية التدريب عن ممارسة هذه الصلاة، ولكن مع الجهاد والاستمرار سیمتلئ قلبك فرحا وأمنا العذراء مريم وصفها ملاك البشارة بأنها "الممتلئة نعمة"، وقد نالت هذه النعمة بسبب جهادها في الصلاة.
ومن مميزات هذه الصلاة أنها لا تحتاج إلى أي نوع من التعليم أو الدراسة. ويقول أحد الآباء: "ليس هناك فضيلة من الفضائل تشبه فضيلة مداومة الصلاة والتضرع باسم ربنا يسوع المسيح في كل وقت.
ويمكن أن تصلى هذه الصلاة بصوت خافت يمكنك أن تسمعه، وذلك إن كنت في معزل عن الناس؛ أما إن كنت وسط الناس، فيمكنك أن تصليها بقلبك فقط، كما يقول الكتاب: «أَنَا نَائِمَةً وَقَلْبِي مُسْتَيْقِظَ» (نش ٢٥).
وستجد أن نبضات قلبك وحركات التنفس، تتماشيان مع مقاطع الصلاة: "يا ربي يسوع المسيح ارحمي أنا الخاطئ".
قداسة البابا تواضروس الثاني

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل